أقوال علماء الدعوة في تبرئة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
من أعمال الإخوان
فتوى علماء نجد في شأن تعصب الإخوان
من عبد الله بن عبد اللطيف، وحسن بن حسين، وسعد بن حمد بن عتيق، وعمر بن محمد بن سليم، وعبد الله بن عبد العزيز العنقري، وسليمان بن سحمان، ومحمد بن عبد اللطيف، وعبد الله بن بليهد، وعبد الرحمن بن سالم: إلى كافة الإخوة، من أهل الهُجَر وغيرهم، وفقنا الله وإياهم لما يحبه ويرضاه، وجعلنا وإياهم من حزبه وأوليائه آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد ذلك: تفهمون ما منّ الله به علينا وعليكم من نعمة الإسلام وتجديد هذه الدعوة والذي علينا وعليكم شكر الله، واتباع أوامره واجتناب نواهيه. ولا يخفاكم ما جرى من الاختلاف، وكثرة الشُّبه، وهي على ثلاثة أمور:
الأول: وهو الأكثر، طلب الخير، والاجتهاد، ووقوع الناس في أمور تخل في دينهم ودنياهم لأنهم يأتون ذلك محبة للدين، بغير دليل.
والثاني: أنه لا بدّ في بعض الإخوان المتقدمين شدة وتعصب، بغير دليل، فلما تبين له الأمر، وسأل طلبة العلم وتحقق عنده أن تعصبه خطأ، ورجع عن أمره الأول، استنكر منه إخوانه، وصار بينه وبينهم اختلاف بغير سؤال، ولا تبين حقيقة ما عنده.
والأمر الثالث: أن هناك أناساً من الذين يدّعون طلب العلم، من الحضر، وهم جهال، يدخلون على بعض الإخوان أموراً مشتبهة، أحد منهم يريد الحق وهو مخطئ. وأحد قصده يعرف بالأمور المخالفة. فلما تحقق ذلك عند ولاة الأمور وعند العلماء أحبوا اجتماع المسلمين مع علمائهم وولاة أمورهم. فلما حضر أسمع الحاضر بنفسه، والغائب نبلغه بهذا الكتاب.
فقد سألنا الإمام عبد العزيز بحضرتهم عن أمور:
الأول: هل يُطلق الكفر على بادية المسلمين الثابتين على دينهم، القائمين بأمور الله ونواهيه، أم لا؟
والثاني: هل في لابس العقال ولابس العمامة فرق تفاوت، إذا كان معتقدهم واحداً، أم لا؟
والثالث: هل في الحضر الأولين وفي المهاجرين الآخرين فرق أم لا؟
والرابع: هل في ذبيحة البدوي الذي في ولاية المسلمين ودربه دربهم ومعتقده معتقدهم، وفي ذبيحة الحضر الأولين والمهاجرين، فرق حلال أم حرام أم لا؟
الخامس: هل للمهاجرين أمر أو رخصة، فيعتادوا على الناس، الذين لم يهاجروا، يضربونهم أو يتهددونهم أو يؤدبونهم أو يلزمونهم بالهجرة أم لا؟ وهل لأحد أن يهجر أحداً بدوياً أو حضرياً بغير أمر واضح، إما كفر صريح، أو شيء من الأعمال التي يجب هجره عليها بغير إذن ولي الأمر أو الحاكم الشرعي؟
فأجبناه بحضور الحاضرين من المسلمين، أن كل هذه الأمور مخالفة للشرع، ولا أمرت بها الشريعة، وأن الذي يفعلها يُنهى عنها، فإن تاب وأقر بخطئه، فيُعفى عنه وإن استمر على أمره وعاند فيجب عليه التأديب الظاهر بين المسلمين. وأن جميع ما يأمر به أو ينهى عنه، أو يعادي أو يصادق على غير ما أمرت به الولاية، ولا حكم به الحاكم الشرعي، أن الذي يفعله مخالف للشريعة وطريقته غير طريقة المسلمين. وهذا الذي ندين الله به، ونُشهد الله عليه، نرجو الله أن يوفقنا وإياكم للخير وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(1337هـ - 1919م)
(ختم) حسن بن حسين، سعد بن حمد بن عتيق، عمر بن محمد بن سليم، عبد الله بن عبد العزيز العنقري، سليمان بن سحمان، محمد بن عبد اللطيف، عبد الله بن بليهد، عبد الرحمن بن سالم، عبد الله بن عبد اللطيف.
فتوى علماء نجد في بعض القضايا التي أثارها الإخوان
من محمد بن عبد اللطيف، وسعد بن حمد بن عتيق، وسليمان بن سحمان، وعبد الله بن عبد العزيز العنقري، وعمر بن محمد بن سليم، وصالح بن عبد العزيز، وعبد الله بن حسن، وعبد العزيز بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الله، وعبد الله بن زاحم، ومحمد بن عثمان الشاوي، وعبد العزيز بن محمد الشفري - إلى من يراه من أخواننا المسلمين، سلك الله بنا وبهم صراط المستقيم وجنبنا وإياهم طريق أهل الجحيم. آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد ورد عن الإمام – سلمه الله، سؤال من بعض الإخوان عن مسائل وطلب منا الجواب عنها فأجبناه بما نرى.
- أما مسألة البرقي، فهو أمر حادث في آخر هذا الزمان ولا نعلم حقيقته ولا رأينا كلاماً عنه من أحد من أهل العلم فتوقفنا في مسألته ولا نقول على الله ورسوله بغير علم. والجزم بالإباحة أو التحريم، يحتاج إلى الوقوف على حقيقته.
- وأما مسجد "حمزة" و"أبو رشيد" فأفتينا الإمام – وفقه الله – أنهما يهدمان على الفور.
- وأما القوانين، فإن كل موجود منها شيء في الحجاز فيزال فوراً ولا يحكم إلا بالشرع المطهر.
- وأما دخول الحاج المصري بالسلاح والقوة في بلد الله الحرام فأفتينا الإمام بمنعهم من الدخول بالسلاح والقوة، ومن إظهار جميع المنكرات.
- وأما المحمل، فأفتينا بمنعه من دخول المسجد الحرام ومن تمكين أحد أن يتمسح به أو يقبله. وما يفعله أهله من الملاهي والمنكرات يمنعون منها. وأما منعه عن مكة بالكلية، فإن أمكن بلا مفسدة تعين، وإلا فاحتمال أخف المفسدتين، لدفع أعلاهما ثابت شرعاً.
- وأما المكوس فأفتينا الإمام أنها من المحرمات الظاهرة. فإن تركها فهو الواجب عليه وإن امتنع فلا يجوز شق عصا المسلمين والخروج عن طاعته من أجلها.
- وأما الجهاد فهو موكول إلى نظر الإمام وعليه أن يراعي الأصح أي الصحيح بالإسلام والمسلمين على حسب ما تقتضيه الشريعة.
نسأل الله لنا وله ولكافة المسلمين التوفيق والهداية وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[محمد بن عبد اللطيف، سعد بن حمد بن عتيق، سليمان بن سحمان، عبد الله بن عبد العزيز العنقري، عمر بن محمد بن سليم، وصالح بن عبد العزيز، وعبد الله بن حسن، عبد العزيز بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، حمد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الله، وعبد الله بن زاحم، ومحمد بن عثمان الشاوي، عبد العزيز بن محمد الشفري]( ).
كلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن
في الرد على تعنت الإخوان وغلوهم
جاء في إحدى رسائله( ):
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إلى عبد العزيز الخطيب. السلام على من اتبع الهدى, وعلى عباد الله الصالحين وبعد:
فقرأت رسالتك, وعرفت مضمونها وما قصدته من الاعتذار. ولكن أسأت في قولك: إنما أنكره شيخنا الوالد من تكفيركم أهل الحق واعتقاد إصابتكم أنه لم يصدر منكم. وتذكر أن إخوانك من أهل (النقيع) يجادلونك وينازعونك في شأننا, وأنهم ينسبوننا إلى السكوت عن بعض الأمور وأنت تعرف أنهم يذكرون هذا غالباً على سبيل القدح في العقيدة, والطعن في الطريقة, وإن لم يصرحوا بالتكفير فقد حاموا حول الحمى, فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى ومن الغي عن سبيل الرشد والعمى.
وقد رأيت سنة أربع وستين رجلين من أشباهكم المارقين بالإحساء قد اعتزلا الجمعة والجماعة, وكفرا من في تلك البلاد من المسلمين, وحجتهم من جنس حجتكم, يقولون: أهل الإحساء يجالسون ابن فيروز ويخالطونه وهو وأمثاله ممن لم يكفر بالطاغوت ولم يصرح بتكفير جده الذي رد دعوة الشيخ محمد, ولم يقبلها, وعاداها.
قالا: ومن لم يصرح بكفره فهو كافر بالله لم يكفر بالطاغوت ومن جالسه فهو مثله.
ورتبوا على هاتين المقدمتين الكاذبتين الضالتين ما يترتب على الردة الصريحة من الأحكام, وحتى تركوا رد السلام, فرفع إلي أمرهم فأحضرتهم وتهددتهم وأغلظت لهم القول فزعموا أولا أنهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وأن رسائله عندهم.
فكشفت شبهتهم, وأدحضت حجة ضلالتهم بما حضرني في المجلس.
وأخبرتهم ببراءة الشيخ من هذا المعتقد والمذهب, وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر, والكفر بآيات الله ورسوله, أو بشيء منها, بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر, كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله, وجعلهم أنداداً له فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية.
وهذا مجمع عليه عند أهل العلم والإيمان, وكل طائفة من أهل المذاهب المقلدة يفردون هذه المسألة بباب عظيم يذكرون فيه حكمها, وما يوجب الردة ويقتضيها, وينصون على الشرك.
وقد أفرد ابن حجر هذه المسألة بكتاب سماه " الإعلام بقواطع الإسلام"، وقد أظهر الفارسيان المذكوران التوبة والندم وزعما أن الحق ظهر لهما, ثم لحقا بالساحل , ودعا إلى تلك المقالة, وبلغنا عنهم تكفير أئمة المسلمين بمكاتبة الملوك المصريين, بل كفروا من خالط من كاتبهم من مشائخ المسلمين, نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى, والحور بعد الكور.
وقد بلغنا عنكم نحو من هذا, وخضتم في مسائل من هذا الباب, كالكلام في الموالاة والمعاداة, والمصالحة والمكاتبات, وبذل الأموال والهدايا, ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله والضلالات, والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة: لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب, ومن رزق الفهم عن الله وأوتي الحكمة وفصل الخطاب.
والكلام في هذا يتوقف على معرفة ما قدمناه, ومعرفة أصول عامة كلية لا يجوز الكلام في هذا الباب – وفي غيره – لمن جهلها وأعرض عنها وعن تفاصيلها.
فإن الإجمال والإطلاق وعدم العلم بمعرفة مواقع الخطاب وتفاصيله يحصل به من اللبس والخطأ وعدم الفقه عن الله ما يفسد الأديان, ويشتت الأذهان, ويحول بينها وبين فهم السنة والقرآن, وقال ابن القيم في كافيته، رحمه الله تعالى:
فعليك بالتفصيـل والتبيين فالإطلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الأذهان والآراء كل زمـان
وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفرات أهل الإسلام، فهذا مذهب الحرورية المارقين الخارجين على علي بن أبى طالب أمير المؤمنين، ومن معه من الصحابة.
فإنهم أنكروا عليه تحكيم أبى موسى الأشعري, وعمرو بن العاص في الفتنة التي وقعت بينه وبين معاوية وأهل الشام, فأنكرت الخوارج عليه ذلك, وهم في الأصل من أصحابه من قراء الكوفة والبصرة, وقالوا: حكمت الرجال في دين الله, وواليت معاوية وعمراً وتوليتهما, وقد قال الله تعالى: {إن الحكم إلا لله}، وضربت المدة بينك وبينهم, وقد قطع الله هذه الموادعة والمهادنة منذ أنزلت "براءة"، وطال بينهم النزاع والخصام, حتى أغاروا على سرح المسلمين, وقتلوا من ظفروا به من أصحاب علي. فحينئذ شمر – رضي الله عنه – لقتالهم, وقتلهم دون النهروان بعد الإعذار والإنذار.
والتمس المخدج المنعوت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغبره من أهل السنن فوجده علي فسر بذلك, وسجد لله شكراً على توفيقه, وقال: لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل. هذا وهم أكثر الناس عبادة وصلاة وصوماً.
من كلام الشيخ ابن سحمان – من علماء الدعوة النجدية -
في بيان تعنت الإخوان وغلوهم في كتابه:
"منهاج أهل الحق والإتباع في مخالفة أهل الجهل والضلال"
قال رحمه الله (ص20): فإذا ما تبين لك هذا, فيقال لهؤلاء الجهلة الصعافقة الحمقى, الذين لا علم لهم ولا معرفة لديهم بحقائق الأمور ومدارك الأحكام, الذين يقرءون على الناس كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب, وهم لا يفهمون مواقع الخطاب وتوقيع الأمور على ما هي عليه, حيث يقول قائلهم: نعم, هذا قول الشيخ في البدو, والمشايخ اليوم يقولون ويقولون.
فيقال لهم: إن كلام الشيخ الذي تقرءونه على الناس في قوم كفار ليس معهم من الإسلام شيء, وذلك قبل أن يدخلوا في الإسلام, ويلتزموا شرائعه, وينقادوا لأوامره, وينزجروا عن زواجره ونواهيه, وأما بعد دخولهم في الإسلام فلا يقول ذلك فيهم إلا من هو أضل من حمار أهله وأقلهم ديناً وورعاً, ومقالته هذه أخبث من مقالة الخوارج الذين يكفرون بالذنوب, وهؤلاء يكفرونهم بمحض الإسلام. أمَا عَلِمَ هؤلاء المساكين أن الإسلام يجُبُّ ما قبله, وأن الهجرة تهدم ما قبلها, بنص رسول الله ؟
وأما قوله: والمشايخ اليوم يقولون ويقولون, فالجواب أن نقول: نعم المشايخ اليوم يقولون لا نكفرُ من ظاهره الإسلام, ولا يطلقون الكفرعلى جميع أهل البادية الذين هم بين أظهر أهل الإسلام, وإنما يقولون: من قام به وصفُ الكفر منهم فهو كافر, كمن يعبد غير الله, ويشرك به أحداً من المخلوقين, أو يتحاكم إلى الطواغيت, ويرى أن حكمهم أحسن وأفضل من حكم الله ورسوله, أو يستهزئ بدين الله ورسوله, أو ينكر البعث.
فمن قام به هذا الوصف الذي ذكرنا من المكفرات وغيرها مما يخرج من الملة في بادية أو حاضرة فهو كافر. كما ذكر ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من العلماء – رحمهم الله تعالى – وهذا هو الذي ندين الله به في أي بادية كانت أو حاضرة.
ثم لو ذهبنا نذكر ما أحدثه هؤلاء من البدع والغلو والمجاوزة للحد في الأوامر والنواهي لطال الجواب، والعاقل يسير فينظر، والهداية والتوفيق بيد الله، وإنما عليه الإعذار والإنذار وبيان الحق.
ومن لم يقم به وصف الكفر، وكان ملتزماَ لشرائع الإسلام الظاهرة فهو مسلم، ولا نكفره بارتكاب الذنوب والمعاصي، ولا بالأعمال التي لا تخرجة من الملة.
ومن لم يسلك طريقة المشايخ في هذه المسائل سلك ولا بد على طريقة الخوارج الذين يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه. فإنهم – ولله الحمد والمنة – كانوا وسطاً بين طرفين، وعلى هدًى بين ضلالتين.
وقال رحمه الله (ص24):
فالعجب كل العجب ممن يصغي ويأخذ بأقوال أناس ليسوا بعلماء ولا قرءوا على أحد من المشايخ فيحسنون الظن بهم فيما يقولونه وينقلونه، ويسيئون الظن بمشايخ أهل الإسلام وعلمائهم الذين هم أعلم منهم بكلام أهل العلم، وليس لهم غرض في الناس إلا هدايتهم وإرشادهم إلى الحق الذي كان عليه رسول وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها.
وأما هؤلاء المتعالمون الجهال فكثير منهم – خصوصاً من لم يتخرج على العلماء منهم – وإن دعوا الناس إلى الحق فإنما يدعون إلى أنفسهم، ليصرفوا وجوه الناس، طلباً للجاه والشرف والترؤس على الناس، فإذا سئلوا أفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا.
وقد قال بعض السلف: "إن هذا العلم دين فانظروا عن من تأخذون دينكم"، وقال بعض العلماء: إن من سعادة العجمي والعربي إذا أسلما أن يوقفا لصاحب سنة، ومن شقاوتهما أن يوفقا لصاحب بدعة"، أو كما قال.
ولكن الشأن كل الشأن في معرفة صاحب السنة ومعرفة صاحب البدعة، فأما صاحب السنة فمن علاماته التي يعرف بها: الأخذ بكتاب الله وسنه رسوله في الأقوال والأعمال والهدي والسمت، ويأخذ بأقوال أصحاب رسول الله وأقوال التابعين ومن بعدهم من السلف الصالح والأئمة المهتدين، ويعلم الناس أمر دينهم بالأهم فالأهم، ويربي بصغار العلم قبل كبارة، ويسلك طريقة التيسير، كما قال تعالى: {وما أنا من المتكلفين}.
وقال : ((إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين))، وقد قال : ((إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين))، وقال لما جاء الحبشة يلعبون يوم العيد في المسجد قام ينظر إليهم، ثم قال: ((لتعلم يهود أن في ديينا فسحة، إني بعثت بحنيفية سمحة))، ذكر هذا العماد ابن كثير – رحمه الله تعالى – في تفسيره على قوله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، إلى غير ذلك من الأمور التي يتصف بها أهل السنة والجماعة.
ومن ذلك: أن يكون الرجل عليماً فيما يأمر به, عليماً فيما ينهى عنه, حليماً فيما يأمر به, حليماً فيما ينهى عنه, رفيقاً فيما يأمر به, رفيقاً فيما ينهى عنه.
ومن علامات صاحب البدعة: التشديد, والغلظة, والغلو في الدين, ومجاوزة الحد في الأوامر والنواهي, وطلب ما يعنتُ الأمة ويشق عليهم ويحرجهم, ويضيق عليهم في أمر دينهم, وتكفيرهم بالذنوب والمعاصي, إلى غير ذلك مما هو مشهور مذكور من أحوال أهل البدع.
فهؤلاء هم الذين نخشى على من سلك طريقتهم أن يوقعوا من تدين من الأعراب ممن لم يتمكن من معرفة الدين وتفاصيل الأحكام فيما يخالف طريقة أهل السنة والجماعة من هذه البدع التي تفضي بهم إلى مجاوزة الحد في الأوامر والنواهي.
وقال رحمه الله (ص32):
ومن ذلك أيضاً أنهم يلزمون ..الأعراب وغيرهم بلبس عصابة, ويسمونها: العمامة. فمن لبسها كان من الإخوان الداخلين في الدين, ومن لم يلبسها فليس من الإخوان, لأنه لم يلبس السنة عندهم, وزعموا أن هذه العمامة زي وشعار يتميز به من دخل في هذا الدين عمن لم يدخل فيه. فمن رأوها عليه أحبوه ووالوه وسلموا عليه. ومن لم يروها عليه لم يسلموا عليه ولم يردوا عليه السلام, لأنه ليس من الإخوان ولم يلبس السنة.
وقد ذكرنا ما يبطل هذه البدعة ويردها في "إرشاد الطالب إلى أهم المطالب" مستوفاة بأدلتها, وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – قدس الله روحه – في كتاب "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان":
فصل: وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات, فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحاًَ, ولا بحلق شعر أو تقصيره أو تضفيره إذا كان مباحاً, كما قيل: كم من صديق في قباء, وكم من زنديق في عباء إلى آخر كلامه – رحمه الله تعالى -.
فبيَّن – رحمه الله تعالى – أنه ليس لأولياء الله المتقين لباس يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات.
وقال ابن القيم – رحمه الله تعالى- في "مدارج السالكين" لما ذكر حال أولياء الله المتقين, قال: وهم مستترون عن أعين الناس بأسبابهم وصنائعهم ولباسهم, لم يجعلوا لطلبهم ولإرادتهم إشارة تشير إليهم: اعرفوني. انتهى.
وهؤلاء الجهال يأمرون الناس أن يلبسوا عمائم يتميزون بها عن الناس, ويشار إليهم, ويعرفون بها. إذا فهمت هذا فاعلم أنه ليس مقصودنا بإنكار هذه العمائم لبسها فإنها من المباحات والعادات. وإنما الإنكار زعمهم أن الرسول سنها وشرعها لأمته, وأنها شعار يتميز به من دخل في هذا الدين عن غيره. وهذا لم يشرعه الله ولا رسوله, ولا قاله المحققون من أهل العلم.
ومن ذلك أنهم ينكرون على من لبس عقالاً من صوف, ولا يسلمون عليه, ويقولون: إنه لم يكن في عهد رسول الله ولم يلبسه لاهو ولا أصحابه, وهم يلبسون المشالح السود والبيض والحمر والغتر (الشمغ) والرسول لم يلبسها لا هو ولا أصحابه, ولم تكن في عهده ولا عهد أصحابه, فكيف يكون لبس هذه حلالاً ولبس تلك حراماً؟ وهذا من جهلهم وعدم معرفتهم بمواقع الخطاب في الحلال والحرام, وما يترتب على ذلك من القول على الله بلا علم، والله المستعان.
وقال رحمه الله (ص86): [المسألة التاسعة]: قول السائل: إن رجلين سأل أحدهما الآخر قال: ما مرام الإمام والمشايخ باستدعاء الإخوان و تهدّّّدهم ومنعهم من دعوة البادية, والأخذ عليهم من دخول بلاد النازلين منهم, حتى حصل بسبب ذلك تجسّرٌ على مشايخ المسلمين بالسبّ و الثّلب و إساءة الظّنّ و قلّة الانتفاع بفائدهم و نصائحهم, وربما يوصلوا إلى ولي الأمر بأقوالٍ لا تروج على عاقل, ولكن يغتر بها كل مغرور جاهل, و يأنس بها كل منافق بلاؤه في قلبه داخل.
فنقول: قد كان من المعلوم عند الخاصة و العامة أن الذي منع هؤلاء من الذهاب إلى هذه الأماكن المذكورة في السؤال هو الإمام - أعزه الله بطاعته وأحاطه بحياطته - لأمرين:
أحدهما: أنهم افتاتوا على منصب الإمامة, فذهبوا إلى البادية من رعيته ومن تحت يده وفي ولايته من غير إذن منه ولا أمر لهم بذلك. وقد كان من المعلوم أن الإمام هو الذي يبعث العمال والدعاة إلى دين الله.
الثاني: ما بلغه عنهم من الغلو والمجازفة والتجاوز للحد في المأمورات والمنهيات, وإحداثهم في دين الله ما لم يشرعه الله ولا رسوله ... .
ومنها أن من ديّنَ ودخل في الدين من الأعراب لايصح لهم إسلام حتى يهاجروا. ومنها أنهم يلزمون من دخل في هذا الدين أن يلبس عصابة على رأسه, ويسمونها العمامة, وأنها هي السنة, فمن لبسها كان من الإخوان الداخلين في هذا الدين, ومن لم يلبسها فليس من الإخوان, وأنها شعار وزي يتميز به المسلم عن الكافر. وقد أجبنا عن هذا كله فيما تقدم.
ومنها أنهم لا يسلمون إلا على من يعرفون وتَمَيَّزَ بالعمامة, وهم مع ذلك يزعمون أنهم هم الذين على السنة, وأن المشايخ يميتون السنن, وهم يخالفون ما سنه رسول الله في السلام بالأمر بالسلام على من عرف ومن لم يعرف.
قال البخاري- رحمه الله – في "الأدب المفرد": :"باب التسليم بالمعرفة وغيرها": حدثنا قتيبة, قال: حدثنا الليث, عن يزيد بن حبيب, عن أبي الخير, عن عبد الله بن عمرو, أن رجلاً قال: يا رسول الله أيُّ الإسلام خير؟ قال: ((تطعم الطعام, وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)).
وفيه أن الطفيل بن أُبي بن كعب أخبره أنه كان يأتي عبد الله بن عمر فيغدو معه إلى السوق, قال : فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله ابن عمر على سقاط ولا صاحب بيعة ولا مسكين ولا أحد إلا يسلم عليه. قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يوماً فاستتبعني إلى السوق. قلت : ما تصنع بالسوق, وأنت لا تقف على البيع, ولا تسأل عن السلع, ولا تسوم بها, ولا تجلس في مجالس السوق؟ فاجلس بنا ههنا نتحدث. فقال لي عبد الله: يا أبا بطن – وكان الطفيل ذا بطن – إنما نغدوا لأجل السلام من لقينا.
فرسول الله يقول: ((اقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)), وابن عمر – رضي الله عنه – يقول: إنما نغدوا من أجل السلام على من لقينا.
ومنها أنهم لا يدعون أحداً صلى معهم صلاة الصبح أن يخرج من المسجد إلا بعد طلوع الشمس, وهذا لم يكن على عهد رسول الله ولا فعله أصحابه بعده.
ومنها أنهم أدخلوا في الدين ما ليس منه, فزعموا أن تدويه البدو للإبل عند ورودها وصدورها بدعة.
ومن المعلوم أن البدع لا تكون إلا في القربات الشرعية، وتدويه الأعراب لإبلهم من العادات الطبعية، فزعموا أن هذه العادات من العبادات.
وقد بلغني عن رجل من هؤلاء المتعمقين، يقال له: عبد الله بن دامغ، أنه يقول: من لبس العمامة ثم تركها ارتد عن الإسلام.
وبلغني - أيضاً - عن رجل من أعيانهم، أنه كتب إلى بعض الأعراب ينهاهم عن مباشرة النساء في فرشهن في الحيض، لأن ذلك ذريعة إلى جماعهن في الحيض – ويل أمهُ أما علم أن ذلك قد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي من فعله وأمره.
ومن هؤلاء من تجاوز الحد في التأديب عند فوات بعض الصلاة فضربوا رجلاً منهم حتى مات.
وثبت عندنا عن بعضهم أنه فسر قول : ((اللهم إني أعوذك بك من الحور بعد الكور))، فزعم أن الكور هي العمامة وأن الرسول استعاذ بالله من تركها بعد لبسها.
وثبت عن رجل آخر منهم أنه يقول من انقطعت ناقته، وأعيت من الهزال ، فنحرها أهلها، فقال: أنها حرام، لا تأكلوها. واستدل بقول الله تعالى: {والموقوذة والمتردية}، فحمل القرآن على لغته الفاسدة إلى غير ذلك من الأمور التي أحدثوها مما لا يمكن عده ولا استقصاؤه.
فلما اشتهر هذا الأمر عنهم ، وهذا الغلو والتجاوز للحد، خاف الإمام أن يسيروا بسيرة الخوارج، فيمرقون من الدين بعد أن دخلوا فيه، كما مرق منه من غلا في الدين وتجاوز الحد ممن كانوا من أعبد الناس وأزهدهم وأكثر تهليلاً، حتى أن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة. فهذا هو المرام الذي أوجب للإمام منع هؤلاء الجهلة عن دخول بلاد النازلين.
وقال الشبخ عبد العزيز آل عبد اللطيف في كتابه "دعاوي المناوئين" (ص65):
ومما يجدر ذكره أن بعض الخصوم قد استغل ما وقع فيه شرذمة من الأعراب وفي زمن يسير - ممن تابع هذه الدعوة - من التشدد والجفاء، فحكموا - بغياً وعدواناً - على جميع أتباع هذه الدعوة وعلى مر الأزمان بهذا الحكم الجائر، فرموهم أيضاً بالتشدد والجفاء.
ولقد قلدهم في تلك الدعوى بعض الكتّاب، فوصفوا هذه الدعوة السلفية بالتشدد والجفاء والتطرف، وجعلوا ذلك سبباً في عدم قبولها وكثرة أعدائها.
وقد رد الشيخ حمود التويجري على أحد المعاصرين حين رمى أتباع هذه الدعوة بالتشدد، فكان من ردّه أنه قال: "التشدد الذي أشار إليه إنما وقع في بعض الأعراب في زمن يسير، فأما الحاضرة وكثير من البادية فكانوا على الطريقة السلفية، ولم يكن فيهم تشدد كما يزعمه بعض الناس؛ فإطلاق التشدد على العموم متعقب على من ادعاه كما لا يخفى من له أدنى معرفة بحال أهل نجد".
وفي الختام :هذا ما يسر الله من الكتابة في الدفاع عن الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله, والحمد لله أولا وآخراً.
اللهم اني بلغت وهاهم عبيدك يقرؤن فان صدقو فازو وان عاندو وصدو عن سبيلك فهم لايعجزونك ابدا
اللهم فاشهد اللهم فاشهد اللهم فاشهد